مرحبا

الاخ الحبيب مرحبا بك زائرا عزيزا ومشاركا فعالا فى تصحيح الاتجاه بترسيخ ثوابت الامة واصولها الثقافية والتاريخية والحضارية . ( أضف دعما الى المعالى )

الأحد، 28 نوفمبر 2010

الخميس، 10 ديسمبر 2009

خياراتنا فى الاحتجاج واسعة .... فهمى هويدى

هذه مبادرة انتظرناها من الشرق فجاءت من الغرب. إذ أعلن المخرج السينمائى الألمانى ذو الأصل التركى فاتح اكين رفضه الذهاب إلى سويسرا لحضور العرض الأول لأحدث أفلامه، احتجاجا على حظر مآذن المساجد فى سويسرا.
وقال فى خطاب مفتوح أرسله إلى منظمى العرض إنه يعتبر التصويت لصالح الحظر موقفا يمثل انتهاكا لمبادئ حقوق الإنسان، كما يهدر أسس التعايش والتسامح بين أبناء المجتمع الواحد.
ولأن هذه الخطوة جرحت مشاعره كمواطن ألمانى وكابن لأسرة مسلمة، فلم يجد سبيلا للتعبير عن احتجاجه إزاءها سوى مقاطعة عرض فيلمه الكوميدى «مطبخ سول». الذى كان قد فاز بجائزة خاصة فى مهرجان فينسيا السينمائى.
المخرج الشاب المقيم فى هامبورج، والذى حقق نجاحات مشهودة فى عالم السينما الألمانية، عبر عن احتجاجه بسلوك عملى، وأوصل رسالته إلى الرأى العام من خلال خطابه الذى نشرته الصحف الألمانية والتركية،
فى الوقت ذاته، فإن مؤسساتنا الثقافية ورموزها اكتفى بعضها بتنظيم مهرجان الخطابة والتنديد، رغم أننا نملك هامشا واسعا للحركة إذا ما أردنا أن نعبر عن احتجاجنا بصورة عملية.
وهذا الهامش يحتمل مواقف عدة تتراوح بين تعليق بعض الأنشطة المشتركة كحد أدنى وبين المقاطعة وسحب الودائع كحد أقصى.
وفى المرحلة الراهنة فإن تعليق الأنشطة يؤدى الغرض ويوصل رسالة التنبيه للسويسريين، التى تتلخص فى أن مشاعرنا إزاءهم وربما مصالحهم معنا وثيقة الصلة بمدى احترامهم لهوية 400 ألف مسلم الذين يعيشون بينهم.
وهى الرسالة التى يجب أن يسمعها جيرانهم الذين رحبوا بقرار حظر المآذن، فاعتبروه خطوة باتجاه التصدى لخطر أسلمة أوروبا المزعوم، وقد تابعنا ذلك الترحيب فيما نشر عن أصداء الحظر فى هولندا وألمانيا وإيطاليا وفى مختلف دوائر اليمين الأوروبى.
دعانى أيضا إلى العودة إلى الموضوع سببان آخران،
أولهما الادعاء بأن ذلك هو ثمن الديمقراطية التى ينبغى الامتثال لأمرها، وأن ما جرى فى سويسرا هو موقف المجتمع وليس موقف الحكومة، وذلك منطق يجب إعادة النظر فيه، لأنه يفتح الباب للإقدام على شرور كثيرة باسم الديمقراطية والامتثال لرأى الأغلبية، كما هو الحاصل فى إسرائيل مثلا.
ذلك أن الأغلبية هناك تؤيد قمع الفلسطينيين والاستيلاء على بيوتهم وهدمها، كما تؤيد حصار غزة وتجويع أهلها.
كما أن أغلبية الأمريكيين أيدوا فى البداية غزو العراق وتدميره، ثم اكتشفوا فى وقت متأخر أنهم خدعوا.
وهو ما ينبهنا إلى أمرين
أولهما أن وسائل الاتصال الحديثة أصبح بمقدورها أن تغسل أدمغة الناس وتفسد وجدانهم، بحيث تدفعهم إلى تأييد الجرائم التى ترتكب ضد الإنسانية.
أما الأمر الثانى فهو أن القيم الإنسانية الأساسية، خصوصا المتعلقة بالحريات العامة، ينبغى ألا تكون محلا للاجتهاد والمساومة، حتى لا تهدر باسم الخضوع لرأى الأغلبية المضللة.
السبب الثانى للعودة إلى الموضوع هو أننى لاحظت فى كتابات عدة أن هناك تحاملا على الجاليات الإسلامية الموجودة فى أوروبا، وتبريرا للموقف السويسرى من خلال التذكير بأحداث 11 سبتمبر.
فى ذات الوقت فثمة تجاهل لحقيقة العنصرية والاستعلاء الكامنين فى الثقافة الغربية إزاء شعوب العالم الثالث عامة والمسلمين بوجه أخص.
وهى الثقافة التى مازالت مرجعياتها متأثرة بأجواء الحروب الصليبية الناقمة على المسلمين والمعادية لهم. وهو ما يدعونى إلى القول بأن أحداث 11 سبتمبر لم تكن منشئة لشعور الغربيين بالمرارة والنقمة إزاء المسلمين، ولكنها كانت كاشفة لذلك الشعور وربما مضيفة جريمة زائدة إليه.
وأى متابع لصورة المسلمين فى الإعلام والأفلام السينمائية التى أنتجتها «الميديا» الغربية قبل ذلك التاريخ يدرك جيدا هذه الحقيقة،

إن نقدنا لذواتنا مفيد لا ريب، لكننا ينبغى أن نتخلى عن الشعور بالدونية ونتسلح بنفس الشجاعة لنقد عنصرية أغلب الغربيين واستعلائهم،
علما بأن المنسوب إلينا هو حادث، فى حين إن المنسوب إليهم هو سلوك وحالة. وشتان بين النقيصتين.
.................

الثلاثاء، 8 ديسمبر 2009

حوار فهمي هويدي وأردوغان: لو انتهكت إسرائيل أجواء تركيا ستتلقى ردا مزلزلا

عشية سفره إلى واشنطن قال رجب طيب أردوغان إن الوضع فى غزة ضمن جدول أعمال زيارته. مشيرا إلى أن الوضع فى القطاع لا ينبغى السكوت عليه.
كما أعرب عن أمله فى أن تكون الزيارة التى سيقوم بها الرئيس حسنى مبارك إلى أنقرة يوم 15 من الشهر الحالى بمثابة نقطة تحول فى علاقات تركيا ومصر.
وتمنى فى حديث مطول تطرق فيه إلى أمور عدة أن ينتهى الانقسام العربى حتى تتمكن الأمة العربية من الاحتشاد لمواجهة التحديات الكبيرة التى تواجهها.
ــ1ــ
كان ذلك هو لقائى الثانى مع الرجل. إذ التقيته فى المرة الأولى عام 1994 حين انتخب رئيسا لبلدية استانبول ممثلا عن حزب الرفاه. وجرى الحوار آنذاك حول مشكلات المدينة ومحنتها، بعد أن شاع الفساد فى إدارتها وتدهورت مرافقها.
لم يكن يتحدث كعمدة منتخب فحسب، وإنما كعاشق للمدينة وحافظ لشوارعها، التى اضطرته ظروفه العائلية فى سنه المبكرة لأن يتجول فيها بائعا للبطيخ والسميط والمياه الغازية لكى يوفر مصروفات تعليمه. التى عجز أبوه عن احتمالها. إذ كان الأب الذى ينحدر من أصول جورجية يعمل جنديا بسيطا فى خفر السواحل. وهى المهنة الوحيدة التى أجادها منذ نزحت أسرته من شواطئ البحر الأسود لكى تستقر فى استانبول بعدما قتل الجد فى سنة 1916 أثناء صد الحملة الروسية والأرمنية التى استهدفت أراضى الدولة العثمانية فى سنوات أفولها.
ولا أعرف إن كان لقب الأسرة له علاقة بهذه الخلفية أم لا، ولكن صاحبنا «الطيب» ظل يعرف طوال الوقت باسم «أردوغان» الذى يعنى فى اللغة التركية «الفتى الشجاع» («أر» تعنى القوى أو الشجاع و«دوغان» هو الطفل).
استطاع الطيب أن يكمل تعليمه حتى التحق بإحدى مدارس «إمام وخطيب»، شأنه فى ذلك شأن غيره من أبناء الأسر المتدينة. لكنه تخصص فى الاقتصاد وإدارة الأعمال، وتخرج من المعهد العالى الذى صار الآن جامعة مرمرة،
ثم ألقى بنفسه فى خضم العمل السياسى، تاركا ملاعب كرة القدم التى لمع نجمه فيها، وتحول إلى عنصر ناشط فى حزب الرفاه الإسلامى الذى أسسه أستاذه نجم الدين أربكان، الأمر الذى أوصله إلى منصب عمدة استانبول، وقاده بعد ذلك إلى السجن فى سنة 1998، حيث أمضى فيه ستة أشهر بعد اتهامه بالإساءة إلى العلمانية.
خمسة عشر عاما مضت بين اللقاءين الأول والثانى، تحول فيها من عضو ناشط فى حزب الرفاه وعمدة استانبول إلى زعيم لحزب آخر باسم العدالة والتنمية وعمدة لتركيا كلها وأول «باشبكان» للجمهورية التركية الثانية
(«باش» تعنى الرأس و«بكان» هو الوزير، وباشبكان هو رئيس الوزراء».
ذكرته بلقائنا الأول فابتسم ابتسامة خفيفة تليق بمقام باشبكان بلغ من العمر 55 عاما، ورد بالعربية قائلا «أهلا وسهلا». وكأنه بذلك دعانى إلى الدخول فى الموضوع.
ــ2ــ
كنت أعلم أن مستشاريه وأجهزة وزارة الخارجية منهمكون منذ أيام فى التحضير لزيارته إلى واشنطن، فسألته عن الهدف منها. وعما إذا كانت زيارته قبل أسابيع معدودة لكل من إيران وباكستان لها علاقة بهذه الرحلة.

فقال إن تركيا الحالية ليست مشغولة بشئونها الداخلية وعلاقاتها الثنائية بالولايات المتحدة فحسب، ولكنها أيضا مشغوله بمحيطها وثيق الصلة بانتمائها وعمقها الإستراتيجى. وهذا الانشغال جعلها حاضرة فى العديد من الملفات الإقليمية والدولية. فهى حاضرة فى ملفات الشرق الأوسط.
وهى موجودة فى أفغانستان وترأس القوات الدولية هناك،

ثم إنها معنية بالموضوع الإيرانى وتداعيات البرنامج النووى الذى يثار حوله لغط شديد فى الساحة الدولية.
وعلاقاتها مع أرمينيا لكى تنجح أصبحت وثيقة الصلة بحل المشكلة القائمة بينها وبين أذربيجان بخصوص النزاع حول مقاطعة «ناجورنو كارباخ» التى اجتاحتها القوات الأرمنية قبل سنوات قليلة،
كما أن الوضع فى قبرص يدخل فى صميم اهتمامنا ليس فقط بسبب قبرص التركية. ولكن أيضا لأنه مطروح فى سياق علاقتنا باليونان.
وإضافة إلى كل ذلك فموضوع علاقتنا مع الاتحاد الأوروبى له مكانه فى جدول الأعمال.قلت له إن من بين تلك العناوين المهمة، تحتاج ملفات الشرق الأوسط إلى بعض التفصيل، خصوصا ما تعلق منها بفلسطين وإسرائيل وإيران.
هز رأسه موافقا وقال إن أكثر ما يقلقه فى الشأن الفلسطينى حاليا هو وضع قطاع غزة، الذى تحول إلى سجن كبير مفتوح، يقف الجميع متفرجين عليه وغير مكترثين به. وهو أمر لا ينبغى السكوت عليه ليس فقط من جانب دول المنطقة، بل أيضا من جانب العالم المتحضر الذى يحترم حقوق الإنسان.
فقد كان العدوان على غزة جريمة ضد الإنسانية بكل المقاييس، استخدمت فيها القوات الإسرائيلية الفوسفور الأبيض ضد المدنيين العزل.
وبعد العدوان الذى أدى إلى تدمير القطاع وقتل 1500 من سكانه وإصابة خمسة آلاف بجراح، عقد اجتماع شرم الشيخ الذى اتفق فيه على إعمار ما تم تدميره، وخصصت لذلك ملايين الدولارات، إلا أن القرار لم ينفذ. وبقيت خرائب غزة كما هى .
والأدهى من ذلك أن الحصار استمر بحيث قطعت عن القطاع الحاجات الأساسية للناس. وقد سمعت أنهم اضطروا لاستخدام الأنفاق لتهريب الأغنام فى الاحتفال بعيد الأضحى. وهذا الوضع البائس وغير الإنسانى يتطلب بذل جهد خاص لعلاجه، ولذلك كان من الطبيعى أن يدرج على قائمة جدول أعمال الزيارة.
أضاف السيد أردوغان قائلا: هناك أمران آخران يشغلاننا فى هذا السياق،
الأول هو أن وقف الاستيطان من جانب إسرائيل الذى يعد شرطا ضروريا للعودة إلى مفاوضات السلام.
والثانى هو أننا نقوم بدورنا فى التوسط بين إسرائيل وسوريا. وقد عقدت من الآن خمس جولات من المفاوضات بين الطرفين،

وحين قلت له إن رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو قال إنه لم يعد مطمئنا إلى وساطة تركيا فى هذا الصدد، ويفضل وساطة فرنسا، علق قائلا:
إننا توسطنا بناء على رغبة الطرفين، وإذا تلقينا هذه الرغبة مجددا فسوف نستجيب لها. وإذا لم نتلقها فلن نقوم بأى مبادرة من جانبنا.
(٣)
الحديث جرنا إلى الوضع الراهن للعلاقات التركية ــ الإسرائيلية، وقرار أنقرة منع إسرائيل من المشاركة فى مناورات «نسر الأناضول» السنوية مع الجيش التركى.
فقال إنه لم يكن معقولا أن تجتاح إسرائيل غزة وتفتك بشعبها ثم نقول لجيشها تعال تدرب عندنا. ذلك أننا حكومة منتخبة جئنا بإرادة شعبنا، ولا نستطيع أن نتحدى مشاعر الشعب التركى الذى صدمه ما جرى أثناء العدوان على غزة. وكان احترام هذه المشاعر له دوره الحاسم فى خلفية قرارنا.
فى ذات الوقت فإننا أردنا به أن نبلغ الإسرائيليين أيضا بأنهم لا يستطيعون تحت أى ظرف أن يستخدموا علاقتنا بهم ورقة فى عدوانهم على أى طرف ثالث. ذلك أننا فى هذه الحالة لن نقف محايدين أو مكتوفى الأيدى.
قلت إن لدى معلومات تشير إلى أن إسرائيل كانت قد قامت باختراق الأجواء التركية لكى تقوم بعملية تجسس ضد إيران، وأن هذه الخطوة استفزت القيادة التركية، وكان لهذا الغضب دوره فى قرار إلغاء اشتراكها فى المناورات.
وقد علق على هذه الملاحظة قائلا: إن المعلومة غير صحيحة. وبصوت حاسم أضاف:
لو أن إسرائيل فعلت ذلك فإنها ستتلقى منا ردا مزلزلا.
سألته عن نتائج زيارة بنيامين بن اليعازر وزير التجارة والصناعة الإسرائيلى الذى اصطحب معه 20 من كبار رجال الأعمال الإسرائيليين، وذكرت له أن بن اليعازر حين كان قائدا لإحدى وحدات الجيش فى حرب عام 67 أمر بقتل 70 من الأسرى المصريين بعد اعتقالهم، وكانوا خليطا من الضباط والجنود.
رد الباشبكان قائلا:
إن الرجل زارنا باعتباره وزيرا، وما فعله أثناء حرب ١٩٦٧ أمر يخص الحكومة المصرية، وقد تمت الزيارة فى إطار الاتفاقات المعقودة بين البلدين، وبعض هذه الاتفاقات لم تنفذها إسرائيل.

سألته عما إذا كانت هذه الاتفاقات قد تمت فى عهد حكومة حزب العدالة والتنمية، فقال إن حكومته عقدت اتفاقا واحدا مع إسرائيل خلال السنوات السبع الأخيرة، وهى خاصة بشراء طائرات بغير طيار، وهذه لم تف بها حكومة تل أبيب وقد اضطررنا إلى استئجار تلك الطائرات لحاجتنا إليها، وأمام إسرائيل، مهلة بقى منها 40 يوما (ابتداء من الخميس 3/12)، إذا لم ينفذ فإنه سيفسخ،
أما الاتفاقات الأخرى فكلها عقدت قبل عام 2002.
كنت قد علمت أن مستشار الأمن القومى الإيرانى ورئيس وفدها لمباحثات البرنامج النووى سعيد جليلى قد وصل إلى أنقرة حاملا رسالة إليه، ولأن وزير الخارجية الدكتور أحمد داود أوغلو كان فى طهران قبل أيام معدودة فقد استنتجت أن الأمر له علاقة برحلته إلى واشنطن،
وحين سألته فى هذه النقطة قال إن العلاقات الوثيقة بين تركيا وإيران ليست جديدة وقد وثقتها اتفاقية «شيرين» التى عقدت بين البلدين فى عام 1939، إذ بيننا تاريخ مشترك فى الثقافة والفنون إضافة إلى علاقاتنا الإيمانية.
(لاحظ إنه لم يذكر الإسلامية ربما تحسبا للمحاذير القانونية التى يستخدمها غلاة العلمانيين ضده)،
وأضاف أنه فضلا عن ذلك فالشأن الإيرانى أصبح من صميم عناصر الأمن القومى التركى، وإضافة إلى مشروعها النووى الذى نؤيده فى استخداماته السلمية، فهى موجودة فى العراق وأفغانستان ومطلة على باكستان ودول آسيا الوسطى (التى تصنف سياسيا ضمن العالم التركى)

فى الوقت ذاته فإيران هى المصدر الثانى الذى نعتمد عليه فى الغاز بعد روسيا، لذلك فإن استقرار إيران أمر يهمنا للغاية وتوتر علاقاتها بالولايات المتحدة والغرب لابد أن يقلقنا.
ولذلك فمن الطبيعى أن يستمر التشاور والتفاهم بيننا ولا غرابة فى أن يكون الملف الإيرانى مدرجا ضمن جدول أعمال زيارة واشنطن.
4 ــ
كان السيد أردوغان قد صرح فى مؤتمر صحفى عقب زيارته لإيران بأن تعاون البلدين قادر على أن يملأ الفراغ فى المنطقة، وحين طلبت منه إيضاحا لذلك قلت إن هذا الجهد يظل غير كاف ما لم تنضم إليه مصر، لتصبح الضلع الثالث فى مثلث القوة فى الشرق الأوسط.
وهو يعقب على كلامى قال إن التفاهم بين تركيا وإيران قطع شوطا بعيدا فى احتواء أمور كثيرة محيطة بالبلدين علما بأنهما أصبحا هما الأكثر تأثيرا فى المنطقة، وحجم التبادل التجارى بيننا 10 مليارات دولار الآن، نأمل فى أن يصل إلى 30 مليارا خلال فترة وجيزة،
وما أقصده أن البلدين فى وضع يسمح لهما بالقيام بدور كبير فى الشرق الأوسط، دون أن يتدخل أى منهما فى الشئون الداخلية لأية دولة أخرى.
أما مصر ــ أضاف ــ فهى الدولة العربية الكبرى التى لا غنى عن دورها وثمة تفاهم طيب بيننا كان له إسهامه فى وقف العدوان على غزة، ولدينا تعاون اقتصادى جيد معها، لكننا نتطلع إلى زيارة الرئيس مبارك فى الخامس عشر من شهر ديسمبر الحالى، وأملنا كبير فى أن تحقق تلك الزيارة طفرة نوعية تنقلنا إلى عهد جديد فى مسيرة التعاون التركى ــ العربى.
عند هذه النقطة قطع أردوغان كلامه وقال إنه بعد زيارته الأخيرة إلى ليبيا أدرك أن الخلافات العربية استفحلت لدرجة أصبحت معها بحاجة سريعة إلى الاحتواء وأن الأمل معقود على الدول العربية الكبيرة أن تلعب دورا فى هذا الصدد.
عندئذ قلت: بعد إلغاء تأشيرات الدخول مع سوريا أولا ثم الأردن وبعد ليبيا وألبانيا، ما هى خطوتكم التالية فى هذا الاتجاه؟
فى رده قال إن تركيا أمضت عقودا وهى غير قادرة على مخاطبة جيرانها، وقد اختلف الأمر تماما بما يعادل 180 درجة حيث مدت جسورها وأياديها إلى الجميع وحلت كل مشاكلها المعلقة مع الجيران ونحن نتطلع إلى يوم نتفق فيه على تأشيرة واحدة إلى كل الدول العربية، كما حدث مع أوروبا التى تسمح تأشيرة «شنجن» لزائرها بأن يتجول فى كل بلدان القارة باستثناء إنجلترا.
قلت: هل هذا التوجه من إفرازات سياسة «العثمانية الجديدة»؟
قال: هذا المصطلح مغلوط ولا أحبذ استخدامه، فضلا عن أنه تعبير خاطئ يبتسر الماضى وينتقص من قدره. كما أنه يستدعى إلى الذاكرة مرحلة اندثرت ولا سبيل إلى إحيائها، وإن جاز لنا أن نتعلم دروسها ونستفيد منها.
ونحن لا نسعى إلى إقامة مستقبل رومانسى يدغدغ مشاعر الناس لكننا نسعى إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من التعاون الاقتصادى والتجارى المشترك لأن تبادل المصالح على نحو متكافئ يفتح الباب لاستقرار التعايش والسلام بين الشعوب، وهذه السياسة هى التى مكنت تركيا من تجاوز الأزمة الاقتصادية العالمية، لأنها لم تكن تعتمد على جهة واحدة فى تعاملاتها وإنما وزعت أنشطتها على دائرة واسعة فى الدول فتنوعت أسواقها ومن ثم تنوعت مواردها الاقتصادية.
5 ــ
كنت قد بعثت مسبقا إلى مكتبه بالمحاور التي وددت أن يدور حولها الحديث وأوردت محورا يتعلق بعلاقة حكومته بالجيش الذى ظل يعد القوة الحقيقية صاحبة القرار فى تركيا منذ وصول الكماليين للسلطة وإلغاء الخلافة الإسلامية فى عشرينيات القرن الماضى، وهى العلاقة التى أصبحت محل لغط فى العام الأخير بعد اكتشاف ضلوع بعض قياداته فى منظمة أرجنكون السرية، وهى التى كانت وراء الكثير من الاغتيالات وأعمال الفوضى فى البلاد، خصوصا أن وثيقة عثر عليها مؤخرا تحدثت عن الإعداد لحملة اغتيالات ومظاهرات استهدفت إسقاط حكومة حزب العدالة.
كذلك كنت أعلم أن السيد أردوغان بصدد عقد اجتماع مع قيادات الجيش لمناقشة تطورات الموضوع بعد استدعاء بعض قادة أسلحته السابقين للشهادة أمام محكمة مدنية لأول مرة فى التاريخ التركى المعاصر،
لكن كبير مستشاريه قال لى إنه يخشى أن يساء فهم الكلام فى هذا الموضوع الحساس، وقد يظن البعض أن السؤال موحى به من قبل فريق أرودغان للتأثير على مسار الأحداث وقد قدرت حساباتهم الدقيقة

وسألت رئيس الوزراء عن ملف منظمة أرجنكون فرد بإجابة مقتضبة قال فيها إن الأمر كله أمام القضاء ولا يجوز له قانونا أن يعلق على قضية معروضة على القضاء قبل أن يفصل فيها.
حاولت أن ألتف حول الموضوع فسألته عن عدد مرات محاولات الاغتيال التى تعرض لها (معلوماتى أن إحداها كشفت فى الشهر الماضى) فقال إن الذى لا يعرفه من تلك المحاولات أكثر من الذى يعرفه، وإن الذى يعرفه لا يذكر عدد المرات فيه.
غيرت الموضوع فى النهاية وسألته عما إذا كان متفائلا بالانضمام إلى الاتحاد الاوروبى رغم أن القوى المعارضة لذلك تتزايد فى أوروبا،
فقال إن حكومته سمعت الكثير من الملاحظات خلال السنوات السبع الماضية لكن ذلك لم يثنها عن المضى فى الإصلاحات السياسية ومن ثم فغاية ما يمكن أن يقوله إنه متفائل بحذر.
كنت قد تجاوزت التسعين دقيقة التى خصصت لى ونبهت إلى أن معاونى الباشبكان ينتظرونه فى حجرة مجاورة لإتمام مناقشة ملفات الرحلة إلى واشنطن، ولاحظت أنه بدأ ينظر إلى ساعته، فطويت أوراقى وانصرفت مؤجلا بقية أسئلتي إلى لقاء ثالث أرجو يتأخرعن عام ٢٠١٢، حين يرشح أردوغان نفسه رئيسا للجمهورية التركية. وهى المعلومة التى أصبحت أكبر سر معلن فى أنقرة.
...........

السبت، 5 ديسمبر 2009

منع مآذن سويسرا...اسباب وعلاج وتحذير

بقلم - راشد الغنوشي

يأتي قرار منع بناء المآذن في سويسرا ليدل دلالة واضحة على تصاعد تيارات اليمين المتعصب متحالفة على امتداد أوروبا مع قوة اللوبي الصهيوني.. وهو تحالف غريب، لأن من المعروف أن تيارات اليمين وريثة المسيحية ووريثة النازية، وهما في الأصل عدوان لدودان لليهودية، ولكن مياهًا كثيرة قد جرت في النهر، بما رشح العداء للإسلام ليكون جسر التواصل وأساس التحالف.
يضاف إلى ذلك عامل المنافسة السياسية، بما جعل من استهداف المهاجرين وربط كل المشاكل بهم وبالإسلام من بطالة وفوضى وغيرها، لعبة رخيصة الثمن وطريقا سهلا للنفاذ إلى قلوب الناس ودغدغة مشاعرهم، والحصول على أصواتهم بالتلويح بـ"الخطر الإسلامي الداهم".

فلم تعد تلك الأحزاب محتاجة إلى تقديم برامج معقدة لإقناع الجمهور والحصول على أصواته، يكفيها التلويح ليل نهار بهذا "الخطر" وشن حملات على المسلمين والمهاجرين حتى يرتفع نصابها الانتخابي.

ولقد تعزز جانب هذه الجماعات اليمينية المتعصبة والصهيونية بأحداث 11 سبتمبر، حيث تعززت فكرة أن الإسلام هو الخطر وهو العدو، وأن هذا العدو يقيم بين أظهرنا.. والخلفية الإسرائيلية بالطبع واضحة لهذه الإستراتيجية، بعد أن ظهر الإسلام طليعة للمقاومة في فلسطين وغيرها، ومن يجرؤ على ضرب زعيم القوم فقد هدد القوم كلهم، ولذلك خرجت صبيحة ذلك الحدث المشئوم، (11سبتمبر) صحيفة لوموند الشهيرة حاملة على غلافها عنوانا ضخما "كلنا أمريكان".



أحد المساجد في سويسرا

المؤكد أننا في زمن قوة الإعلام، وأن حضور الإسلام والمسلمين في الإعلام حضور سلبي ومعاد، يستهدف عزلهما وتهميشهما وربطهما بكل الشرور وبفكرة "الخطر" على كل ما هو جميل ومكسب حضاري، فهم خطر على الحريات ومنها حرية النساء وحقوقهن، وعلى الفنون والآداب.. وغيرها!!
وفي هذا الصدد يختار الإعلام المعادي للحديث باسم الإسلام إما عناصر علمانية حاقدة ذات أصول إسلامية، إما مأجورة أو مخترقة، أو يختار شيوخا غير مؤهلين لمخاطبة الرأي العام الغربي، متجنبة شخصيات كفؤا لهذا الأمر.. مثل البروفسور السويسري طارق رمضان.. مثلا.

فشل الأقلية المسلمة

إن هذا القرار يعبر عن موجة عدائية ضد الإسلام متصاعدة في المجتمعات الغربية، كما يعبر عن فشل الأقلية المسلمة في سويسرا وفي عموم الغرب في تحويل وزنها العددي إلى قوة سياسية، بسبب عزلتها وتشرذمها وتدني مستوى وعيها العام وانشغالها بخلافات مستوردة من العالم الإسلامي، وهو ما سهل مهمة أعدائها في العدوان على مقدساتها ورموزها، ودفعها إلى الهامش والعزلة..

كما أن العالم الإسلامي يتحمل مسئولية في ذلك؛ لأنه ترك تلك الأقليات لنفسها، مع أهميتها المستقبلية البالغة في الدفاع عن المصالح الإسلامية والعربية.. لقد تركها في حالة يُتم، تصارع بمفردها قوى ضخمة مدربة مثل تيارات اليمين واللوبيات الصهيونية النافذة، بل قد يصل الأمر إلى الكيد لها والتوجس مما تتمتع به من حريات مما يمثل خطرا!! خلافا للأقلية اليهودية وما تتمتع به من دعم محلي ودولي، في حين لا تجد الأقلية المسلمة من العالم الإسلامي- غالبا - سوى الخذلان، فما حدث هو تعبير عن فشل الأقلية المسلمة في سويسرا في الدفاع عن نفسها وفي كسب أنصار لها وحلفاء من القوى التحررية من أبناء البلد الأصليين.

والعلاج يصبح واضحا في أن تخرج تلك الأقليات من عزلتها وتغادر خلافاتها الصغيرة، وتنخرط في الحياة السياسية في الأحزاب القائمة، وتخرج لها متحدثين أكفاء باسمها، وتبحث لها عن حلفاء وأصدقاء، من أجل أن تحول كثرتها العددية إلى قوة سياسية، فتكون لها القدرة على الدفاع عن نفسها.

الغرب متعدد وليس واحدا، فليس كله يمينا فاشستيا وجماعات صهيونية، رغم ما تتمتع به هذه من نفوذ واسع في الغرب ومنه سويسرا.. بل هناك قوى تحررية تناضل ضد التعصب والفاشية والإمبريالية والصهيونية مرشحة للتعاون مع الأقلية الإسلامية، كما حصل في بريطانيا خلال الحرب على العراق سنة 2003، حيث ظهر تحالف بين التيار الإسلامي وبين طيف واسع من الجماعات البريطانية النقابية واليسارية المضادة للعولمة، أمكن لذلك التحالف أن يقود مظاهرات مليونية، ضد سياسة الحرب.. ورغم أن بلير مضى إلى الحرب لا يبالي فإن أثر تلك المسيرات لا يزال يلاحقه..

للأسف لا تزال نزوعات المحافظة هي الغالبة على الوجود الإسلامي في الغرب، ما يدفعه إلى العزلة، وبالخصوص أمام ما يشن عليه من حملات عاتية منظمة من قبل خصومه، فينكمش ولا يبحث عن حلفاء له على أساس قضايا إنسانية ووطنية مشتركة، بما تتمكن به هذه الأقليات من الدفاع عن نفسها، على خلفية الدفاع عن الحقوق والحريات ومناهضة تيارات العولمة والهيمنة..

تحذير

إن أي ردود أفعال على هذا العدوان على الرموز الإسلامية ليس من شأنها إلا أن تؤدي إلى نتائج سيئة يمكن أن تكون كارثية، وليكن معلوما أنه ربما يكون جزءا من إستراتيجية هذا العدوان على الرموز الإسلامية ومنها المآذن، دفع الأقلية المسلمة للقيام بردود أفعال متشنجة، بما يوفر الوقود الكافي لتأجيج وتصعيد نيران العداوة والعدوان على الإسلام وأقلياته، والدفع نحو إنتاج صور أخرى من العدوان على الإسلام والمسلمين تعيد للذاكرة ما حصل للمسلمين في الأندلس، وبالأمس القريب في البوسنة من الطرد الجماعي للمسلمين.

بينما يمكن تحويل القرار إلى مادة توعية للمسلمين في سويسرا وفي الغرب عامة وفي كل مكان، أن عليهم مغادرة مواقع التشرذم والعزلة والانكماش، والانخراط في مشاغل مجتمعاتهم وهمومها، والبحث عن حلفاء ومتحدثين جدد أكفاء لتغيير الصور النمطية السلبية المرتسمة عن الإسلام، من حيث إنه دين حرب وعداوة متأصلة للحريات وللنساء وللفنون، صورة تصادم من كل وجه أنه رحمة للعالمين.

يمكن بذلك أن تتحول المصيبة إلى منحة {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}[لبقرة:216]، بما يجعل مثل هذا القرار المتعصب وأمثاله من منع الزى الإسلامي للمرأة جزءًا من الماضي، باعتباره جزءًا من سياسات متعصبة فاشستية لا مستقبل لها في عالم يتجه قدما صوب الحرية والإسلام.. قال تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف:8].


- نقلا عن موقع اسلام اون لاين بتاريخ 1 ديسمبر 2009